عبد الملك الجويني

335

نهاية المطلب في دراية المذهب

11208 - فإذا تبين ما يعاقب به الشارب ، فنحن نذكر ما يتعلق بعقوبة الشارب لو أفضت إلى الهلاك . قال الأصحاب : لو وقع الضرب بالنعال وأطراف الثياب ، وأفضى إلى الهلاك ، فلا ضمان . هكذا قاله الأصحاب ، ولا شك أن من منع ذلك على الوجه الغريب الذي حكاه العراقيون ؛ فإنه يثبت الضمان ، ثم نفى الأئمة الضمان وهو مشروط بوقوع الضربات على حد يُعدَّل بأربعين جلدة من غير مزيد . ثم قال الأئمة : إن جلدَ الإمامُ الشاربَ أربعين تأسياً بالصدّيق ، فأفضى إلى الهلاك ، ففي وجوب الضمان قولان : أحدهما - يجب ، لما روينا عن علي رضي الله عنه ، أنه قال : " إلا الشارب ، فإنه شيء رأيناه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، وفيه معنىً ، وهو أنه معدول عن المنقول عن زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا إنما يستقيم لو لم يصح أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلد الشارب أربعين ، وقد روى الأثبات ذلك . فعلى هذا إن صح الخبر يجب نفي الضمان كما يجب ذلك في حد الزنا ، وحدّ القذف . فإن لم نوجب الضمان ، فلا كلام ، وإن أوجبناه فالذي ذهب إليه أهل التحقيق أنا نوجب عليه الضمان بكماله ؛ من جهة اتفاق العدول عما كان إلى جنسٍ آخر ، وإذا اختلف الجنسان ، امتنع التقسيط ، ولم يتجه إلا نفيُ الضمان أو إيجابُه وكمالُه . وذكر العراقيون وجهاً آخر أن الإمام يضمن ما بين الضرب بالنعال والضرب بالسياط ، فإنه يكون أشدَّ إيلاماً وأنجعَ وقعاً ، فيقدر بينهما شيء بالتقريب والاجتهاد ، ويلزم ذلك القدر ، وهذا الذي ذكروه في نهاية البعد ، والمذهب ما ذكرناه . وقد بان حكمُ الضمان فيه إذا جلد الشارب أربعين ، أو أمر حتى ضرب بالنعال وأطراف الثياب . 11209 - وأما إذا جلده ثمانين على رأي عمر رضي الله عنه ، فمما نذكره في ذلك أن الأربعين المضمومة إلى أربعين غريبة في وضع الحدود والعقوبات ؛ فإنا إن قدرناها من الحدّ ، كان محالاً ؛ فإنها زائدة على ما جرى في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم